محمد باقر الملكي الميانجي

66

مناهج البيان في تفسير القرآن

- سبحانه - بالمعنى المصدريّ ، ليس إلّا فعله . وفعله - سبحانه - لا كيف له ولا طور ، ولا يتصوّر ولا يتوهّم . ومرتبة هذا الأمر - بحسب ما يستفاد من الكتاب والسّنّة - متأخّرة عن مرتبة قدره وقضائه تعالى . وواضح أنّ إطلاق الأمر على هذه الحقيقة القدسيّة ، من باب الاشتراك اللّفظيّ ؛ لوضوح مباينة أمره تعالى بهذا المعنى مع الأمر من جميع من سواه - سبحانه . فلهذا لم أجد في الآيات الكريمة الّتي فيها لفظ الأمر - على كثرتها - ما يتعرّض لتفسير هذه الحقيقة القدسيّة . فعلى ما ذكرنا ، يصحّ ويستقيم أن يقال في تفسير قوله تعالى : « بِأَمْرِهِ » : أي : بسبب أمره تعالى . وفي قوله تعالى : « مِنْ أَمْرِهِ » : أي : نشأ وتحقّق من أمره وعن أمره . فالأمر بالمعنى المصدريّ سبب ومنشأ لجميع الأعيان والحوادث ، بل الظاهر كونه سببا لإيجاد الألفاظ أيضا . كما أنّ الأمر بالمعنى الثاني - أي : الاسم المصدريّ - أيضا من المخلوق والحوادث الّتي نشأ من الأمر بالمعنى الأوّل ؛ مثل قوله تعالى : « أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ » وغيرها من الآيات . فإن قلت : فأيّ مانع أن يقال إنّ قوله تعالى : « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ( يس / 82 ) ونظائره مسوق لتفسير حقيقة الأمر الّذي هو فعله - سبحانه ؟ قلت : كلّا ! ضرورة أنّ هذه الآية مسوقة في مقام إبطال مقالة المنكرين للمعاد حيث قال : « من يحيي العظام وهي رميم » وأجاب تعالى بقوله : « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . . . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » . ( يس / 78 - 81 ) وخلاصة الجواب : إنّ الّذي خلق السماوات والأرض ، ولم تك شيئا ، فكيف لا يقدر على إحياء العظام - فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء - إذ لا يحتاج إلى معونة ولا استعانة وإنّما ينشئها ويعيدها بأمره من غير فترة ولا مهلة . وهذه الآية نظير قوله تعالى : « ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . ( مريم / 35 ) والآية الكريمة في إبطال مغالطة من أنكر